ابن قيم الجوزية
604
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
في الطريق ، بل الفقيه العارف : يردها عنه بلقمة . كما يرد الكلب إذا نبح عليه بكسرة . ولا يقطع زمانه بمجاهدته ومدافعته ، بل أعطها حظها ، وطالبها بما عليها من الحق . هذه طريقة الرسل صلى اللّه عليهم وسلم . وهي طريقة العارفين من أرباب السلوك . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن لنفسك عليك حقا . ولربك عليك حقا . ولزوجك عليك حقا . ولضيفك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه » . والعارف البصير يجعل عوض مجاهدته لنفسه في ترك شهوة مباحة : مجاهدته لأعداء اللّه من شياطين الإنس والجن ، وقطاع الطريق على القلوب . كأهل البدع من بني العلم ، وبني الإرادة ، ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم . ويتقوى على حربهم بإعطاء النفس حقها من المباح . ولا يشتغل بها . ومن آفات الترك : تطلعه إلى ما في أيدي الناس إذا مسته الحاجة إلى ما تركه ، فاستدامتها كانت أنفع له من هذا الترك . ومن آفات تركها ، وعدم أخذها : ما يداخله من الكبر والعجب والزهو . وهذا يقابل الزهد فيها وتركها . كما أن كسرة الآخذ وذلّته وتواضعه : يقابل الآخذ التارك . ففي الأخذ آفات . وفي الترك آفات . فالفقر الصحيح : السلامة من آفات الأخذ والترك . وهذا لا يحصل إلا بفقه في الفقر . قوله رحمه اللّه : « فهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه » . يعني تكلم فيه أرباب السلوك . وفضلوه ومدحوه . قال : « الدرجة الثانية : الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل . وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال . ويقطع شهود الأحوال . ويمحص من أدناس مطالعة المقامات » . يريد بالرجوع إلى السبق : الالتفات إلى ما سبقت به السابقة من اللّه بمطالعة فضله ومنته وجوده وأن العبد - وكلّ ما فيه من خير - فهو محض جود اللّه وإحسانه . وليس للعبد من ذاته سوى العدم . وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها من فضل اللّه عليه . فإذا شهد هذا وأحضره قلبه . وتحقق به : خلصه من رؤية أعماله . فإنه لا يراها إلا من اللّه وباللّه . وليست منه هو ولا به . واتفقت كلمة الطائفة على أن رؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين اللّه . ويخلصه منها : شهود السبق ، ومطالعة الفضل . وقوله : « ويقطع شهود الأحوال » . لأنه إذا طالع سبق فضل اللّه : علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره ، فهو محض جوده . فلا يشهد له حالا مع اللّه ولا مقاما ، كما لم يشهد له عملا . فقد جعل عدته للقاء ربه : فقره من أعماله وأحواله . فهو لا يقدم عليه إلا بالفقر المحض . فالفقر خير العلاقة التي بينه وبين ربه ، والنسبة التي ينتسب بها إليه ، والباب الذي يدخل منه عليه . وكذلك قوله : « يمحص من أدناس مطالعة المقامات » . هو من جنس التخلص من رؤية الأعمال ، والانقطاع عن رؤية شهود الأحوال ، ومطالعة المقامات : دنس عند هذه الطائفة . فمطالعة الفضل يمحص من هذا الدنس .